# في التفكر بين الإنسان والتقنية
كان الفلاسفة القدامى يُعرِّفون الإنسان بأنه "الحيوان الناطق"، غير أنهم لم يُشيروا بذلك إلى حقيقة بيولوجية مجردة، بل كانوا يطرقون باب سرٍّ وجودي عميق. فالكلام ليس جسرًا يَنقل ما في الداخل إلى الخارج فحسب، بل هو المادة الخام التي يُشيَّد بها ذلك الداخل ذاته. لا فكر بلا كلمة، ولا كلمة بلا فكر. غير أننا اليوم نعيش مفارقة لم تشهدها البشرية من قبل: يتواصل الإنسان أكثر مما مضى، ويتكلم أقل مما ينبغي.
تحمل التقنية في طياتها فاعلية هذا التحول ومظلوميته في آنٍ معًا. فالشاشات الذكية، ومنصات التراسل الفوري، وتدفق المحتوى المُغذَّى بالخوارزميات كل ذلك مزّق الكيان الذهني للإنسان تمزيقًا. فبعد أن كانت الرسالة المكتوبة تستدعي جهدًا فكريًا حقيقيًا في انتقاء الكلمة الصحيحة، وبناء الجملة الموفَّقة، وصياغة المعنى في رقّة واتقان حلّت محلها لغة مبتورة مرمَّزة، فقدت في أغلب الأحيان جوهرها ومضمونها. بات الناس لا يصفون ما يشعرون، بل يرسلون رمزًا تعبيريًا. ولا يُعبّرون عن أفكارهم، بل "يتشاركون" صورة. والثمن الفلسفي لذلك باهظ: فالإنسان حين يفقد اللغة لا يفقد أداة تواصل فحسب، بل يفقد الأرض التي يبني عليها ذاته.
والتفكر في جوهره وليد الصمت والتأني. لا يبلغ الإنسان حقيقة التفكر إلا حين يقف ويتريّث، حين يتخلص ذهنه من ضجيج السطح وشوشرة المظاهر. فكما أن العصبية عند ابن خلدون لا تتغذّى إلا من عمق اجتماعي راسخ، وكما أن القلب عند الغزالي لا يبلغ الحقيقة إلا في السكينة فكذلك الملكة اللغوية للإنسان لا تنمو إلا حين تتغذى من ذلك العمق الداخلي. بيد أن الحياة المعاصرة تُضحّي بهذا العمق على مذبح السرعة والإثارة. فما يُسمّى اليوم "اقتصاد الانتباه" قد استعمر أثمن رأسمال وجودي يملكه الإنسان: ملكة التركيز والإمعان.
وتراجع القدرة على الكلام ليس خسارة جمالية وحسب. فكما نبّهنا أرسطو، لا تقوم السياسة ولا الأخلاق إلا بالكلام. وضياع اللغة المشتركة بين أبناء المجتمع يعني ضياع عقله المشترك. فالنقاشات اليوم لا تتعمق لأن صبر الحجة نفد. والحوار بات متعذرًا لأن ثقافة الإصغاء انهارت. والناس لا يسعون إلى الإقناع، بل إلى الإسكات؛ لأن الإقناع يحتاج إلى كلمة، ويحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى فكر.
غير أن الاستسلام للتشاؤم أمام هذا المشهد هو بدوره ضعف فكري لا يليق بالعاقل. فكما في كل منعطف تاريخي كبير، لهذا العصر نقاط مقاومته وطاقته على الصحوة. والمسألة كلها تتعلق بطبيعة العلاقة التي نقيمها مع التقنية. فالأداة ما دامت لم تستعبد صاحبها تظل فرصة وإمكانًا. وما يُستدعى فعله اليوم هو: أن نعود إلى القراءة، وأن نعود إلى الكتابة، وأن نعود إلى الكلام وقبل كل شيء، أن نعود إلى *التوقف* والتفكر.
لأن الإنسان لا يبقى إنسانًا إلا بقدر ما يتفكر.
Comments
Post a Comment